البغدادي

308

خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب

شاهدا لتأكيد المدح بما يشبه الذمّ ؛ فإنّه نفى العيب عن هؤلاء القوم على جهة الاستغراق ، ثمّ أثبت لهم عيبا وهو تثلّم سيوفهم من مضاربة الجيوش . وهذا ليس بعيب ، بل هو غاية المدح ؛ فقد أكّد المدح بما يشبه الذمّ . وأورده صاحب الكشّاف أيضا ، عند قوله تعالى « 1 » : « لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ » . على أنّ الآية أشبه بتأكيد الذمّ بما يشبه المدح : عكس البيت فإنّ إطلاق الحجّة على قول الذين ظلموا ، ذمّ في صورة مدح ، لا أنّه مدح في صورة ذمّ . وأورده سيبويه في باب ما لا يكون إلّا على معنى ولكن . قال النحّاس : فرق سيبويه بين هذا الباب وبين الباب الذي قبله ، لأنّ الذي قبله يجوز فيه الرفع والنصب ، والنصب أجود ؛ وهذا الباب لا يجوز فيه عنده إلّا النصب ، لأنّه ليس من الأوّل في شيء . وأجاز المبرّد في جميع ما في هذا الباب الرفع ، وكذا في : لا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم انتهى . وعلى قول المبرّد فتكون غير بدلا من الضمير المستقرّ في الظرف . وهذا البيت من قصيدة للنّابغة الذّبيانيّ « 2 » ، مدح بها عمرو بن الحارث الأصغر ابن الحارث الأعرج ابن الحارث الأكبر ، ملوك الشام الغسّانيّين ، وذلك لمّا هرب من النّعمان بن المنذر اللّخميّ ، من ملوك الحيرة . وليس الممدوح بها النعمان بن الحارث - كما وهم شارح شواهد المغني « 3 » - لتصريح الممدوح بها في القصيدة ، كما سيأتي . ومطلع القصيدة « 4 » : كليني لهمّ يا أميمة ناصب * وليل أقاسيه بطيء الكواكب وتقدّم شرح هذا البيت وسبب هروبه « 5 » ، في الشاهد السابع والثلاثين بعد المائة

--> ( 1 ) سورة البقرة : 2 / 150 . ( 2 ) هي في ديوانه ص 40 - 48 . ( 3 ) كما ذكر السيوطي في شرح شواهد المغني 1 / 349 . ( 4 ) البيت للنابغة في الأزهية ص 237 ؛ وجمهرة اللغة ص 350 ، 982 ؛ والدرر 3 / 57 ؛ ورصف المباني ص 161 ؛ وشرح أبيات سيبويه 1 / 445 ؛ وشرح الأشموني 2 / 469 ؛ وشرح المفصل 2 / 107 ؛ والكتاب 2 / 207 ، 3 / 383 ؛ وكتاب اللامات ص 102 ؛ ولسان العرب ( كوكب ، نصب ، أسس ) . ( 5 ) أنكر بعضهم صحة هروبه من النعمان . وفي ديوانه ص 40 : " وقال النابغة يمدح عمرو بن الحارث الأعرج ابن الحارث الأكبر بن أبي شمر . . حين هرب إلى الشام لما بلغه سعي مرة بن ربيعة بن قريع به إلى النعمان وخافه " .